بين حنايا الضلوع    تربى يوسف الأغر

كان أخا كريما       فرزقه الله العفو

إن رأيته عرفته    بتواضع وحسن سمت

يتكلم بالفطرة السوية   وعقل ثقلته التجارب

لم يأل جهدا         لنصرة دين أحمدا

إن جانبه الثواب        عاد إلى الدليل

واجه تشتت المفاهيم     عند كثير متأسلمين

فتكلم ونصح ووضح     فعودى وأوذى كثيرا

فلما أدلهمت الأمور     واظب على التحصيل

وأخرج للمسلمين فقها      وفكرا سديدا حرا

هو من هو الفقير       لعفو ربه القدير

هو يوسف كمال بن محمد    العالم المفكر الممتحن

نصبت له الشباك         ووقع فى الأسر

سنينا طوالا صابرا       محتسبا ثواب الصبر

كانوا يعذبونه كثيرا       حتى سقط الجلد

فتمنى الموت برهة       ولكن ثبته الحق

فجاء فرجا مدلهما       بخطوب خبئها الدهر

فصال وجال متفكرا       فى كتب المهتدين

فنال فهما سديدا        بمنة الإله الأكرم

فصنف المؤلفات والخيرات     فعرف عنه الثبات

لم يكن للمال طالبا     بل للإسلام مضحيا

فبحق الإله أخى         والى أهل الفضل

فلما رآه المتشدقون           قالوا من هذا

هذا دخيل ومدعى      وما قالوه فقر الحجة

فعطاء الملك الديان     للمتقين علما وحكمة

فلما هذا الجحود     للأوفياء مهضومى الحقوق

فيارب الكون العظيم        انصر هذا الدين

وتكملة للمسيرة يا أخى    بنى مدرسة الاقتصاد

على فهم وعلم وانقياد       للدليل الجلى الواضح

من الكتاب والسنة          وفهم سلف الأمة

فحقق النصوص وشرح        حتى ربى وأثر

إنه يوسف كمال بن محمد      العالم المفكر الممتحن

 

 

 


 

 

نبدأ بمشيئة الله تحديد معالم المشروع الحضارى الإسلامي في بعده الاجتماعي ، وذلك بمناسبة توصيات المؤتمر القومي للتنمية الاجتماعية ، والذى عقد بالقاهرة من قريب .

وتكاد تتلخص المشاكل المحورية التي حدده المؤتمر في :-

1- علاج مشكلة الفقر وما يتصل بها من مشاكل الأمية والعلاج ,   2- التخفيف من ظاهرة البطالة  3- عدالة توزيع الدخول بين فئات المجتمع .

ولكن الحلول التي وصل إليها المؤتمر عموميات لاتخمل خطة مستقبلية مجددة ، ولا تحدد أدوات معينة للعلاج ، وإنما عموميات خطابية ، وشعارات فضفاضة . وكما هي العادة فنحن قادرون علي التشخيص عاجزين عن العلاج ، كما أننا لا نهتم بالتنبؤ بالمستسقبل ولكن فصحاء في تحليل أسباب الكوارث بعد وقوعها .

والسبب في هذا كله هو أننا  لا نملك معالم مشروع حضارى ينبع من تراثنا ويناسب مشاكلنا ، وإنما نقلد  رؤية الغرب ومنطلقاته .  فلا أرض نقطع ولا ظهرا نبقي كما يقول المثال .

ومن المعلوم أن علم الاجتماع يستمد جذوره من أرض علمانية ، تقوم علي مفهوم البقاء للأصلح ومن ثم فإعانة الفقير إضعاف للمجتمع ، وترى أن من الخير  أن يزاح الضعفاء  تطبيقا لقانون الانتخاب الطبيعي ، كما قال نتيتشه . ومن ثم كانت منطلقات الرعاية الاجتماعية في الغرب ليست إلا شعارا ، فالفقر يوجد حيث الوفرة . ولازالت الإحصاءات تتوالي علينا تشرح حال الفقراء في أوروبا وأمريكا .

فالرعاية الاجتماعية من مشروع الغرب الحضارى لا تقوم علي الحق ،  ونظام التأمين والمعاشات لايرعي إلا المشتركين ومنه أغنياء ، فلا نستطيع القول أنه رعاية للفقير .  والضمان الاجتماعي الموجه تحديدا للفقراء يعتمد علي اعتماد في الميزانية ينتهي ينفاده ، ولا صله له بالحاجة الحقيقية ولا بكل الفقراء . ولازلنا نسمع لليوم الصيحات التي تنطلق من الطبقة الرأسمالية الحاكمة  بالغرب والتي تدعو إلي التخفف من هذا ، خصوصا بعد أن انتهت الحرب الباردة ، وانتهت مبررات بقائها بعد انحسار الاشتراكية وذهاب تهديدها . وتتغلف هذه الصيحات بدعاوى ظاهرها الرحمة ومن باطنها العذاب ، كدعوى إلغاء إعانة البطالة مثلا بحجة أنها تساعد علي التعطل .

إذا فالقاعدة الفلسفية التي تقوم عليها الرعاية في الغرب لاتحققها بحدية المنطلقات الأيديولوجية لمشروعها الحضارى ، ولاتسعفها الأدوات المالية  لإزاحة الحاجة وتحقيق العدالة .

وللأسف لايعرف مفكرونا إلا هذه الأيدولوجية لعلاج الفقر لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية ، وليس عندهم من أدوات يستعملونها إلا أدوات الفكر الغربي الأعرج .

وابتداء يختلف مشروع الإسلا م الحضارى في الرعاية الاجتماعية عن المشروع الغربي ، بأنها يقيم هذه الرعاية علي الحق ، لا علي التبرع أو المساهمة ، ويعتبر الأمة التي بها فقير أمة متخلفة وإن كان الدخل الفردى فيها يتجاوز عشرات الألوف ، ويعتبر مسؤولية إزاحة الفقر مسؤولية الأمة وإمامها أمام الله لا يتهاون فيها إلا من حاد عن القسط ، واختار الظلم طريقا .

البعد الإجتماعى 2

بدأنا في المقال السابق نضع نقط الافتراق  بين المشروع الغربي في الرعاية الاجتماعية والمشروع الإسلامي. وتبين لنا أن المشروع الغربي يقيم الرعاية الاجتماعية علي شكل معاوضة بين قسط وتعويض في التأمين والائتمان من جهة ، وعلي التبرع في شكل الضمان الاجتماعي من جهة أخرى .  ونظام التأمين  والتأمينات يقوم علي الاشتراك ولايراعي فيه القدرة علي الدفع ولا الحاجة عند التعويض ، فضلا عن أن الرعاية قاصرة فيه علي المشتركين أغننياء كانوا أم فقراء . أما نظام الضمان الاجتماعي فإنه يعتمد علي مبلغ محدد في الميزانية ، بصرف النظر عن مدى الحاجة علي مستوى المجتمع. ويغلب عليه شكل الإعلام وسد الخانة أكثر منه رعاية فعلية .

وللتدليل علي فساد هذا النظام الحضارى الغربي ، الذى يسود في جميع البلاد أغنياء أم فقراء ، وعدم فاعليته ، نجد علي مستوى العالم ، وفق إحصاءات المؤسسات الدولية ، أن ثلث سكان العالم والبالغ 6 مليار نسمة، يعيشون في فقر مدقع ، ، مع ووجود فجوة كبيرة في الدخل بين الشمال والجنوب . فدول الشمال الغني والتي تمثل 20% من سكان العالم ، يزيد دخل الفرد في 17دولة من سكانها علي20 ألف دولار سنويا  ، أما الدول الفقيرة والتي تمثل 80% من سكان العالم ، نجد في 21 دولة لايزيد دخل الفرد عن ألف دولار سنويا ..

ورغم أن مستوى الدخل مرتفع في الغرب نجدأنه لسوء توزيع الدخل وارتفاع مستويات أسعار المعيشة ، وعدم وجود آلية فاعلة لمكافحة الفقر ، نجد لي سبيل المثال أن 10%  من سكان الولايات المتحدة يعيسشون في فقر مدقع ،وتحت خط الفقر الرسمي يعاني35 مليون فرد  من سكانها ، ويزيد عدد المشردين عن نصف مليون فرد.

والأمر يبلغ من السوء ما لا يوصف في عالم الجنوب المسمي بالثالث .  وعلي سبيل المثال نجد أن مصر عدد سكانها 62 مليون نسمة ، يعيش 6ر7 % من سكانها ، أى ما يزيد عن 4 مليون نسمة بدولار واحد في اليوم، و53 % بدولارين ، كما يقول تقرير البنك الدولي سنة 1998 .

ولما كانت التأمينات الاجتماعية تخص المشتركين فيها  كأسلوب تأمين ليس له مردود مباشر علي لفقر ، ولما كان الذى رصد حديثا كضمان اجتماعي لمليون فرد قدره 50 جنيه . فالسؤال ماذا يفعل الفقير بخمسين جنيه إذا كان رب أسرة ؟ وما ذا يفعل بقية الملايين التي تعيش في فقر مدقع ؟

والآن دعونا نتطلع إلي مشرزع جضارى يجقق الشروط التالية في ظل ظروفنا :

1-   ألا يحمل الميزانية أعباء إضافية ، وألا يتعارض مع الموارد السيدية للدولة كالضرائب والتي تخص المصالح العامة.

2-    أن يكون صالحا للتطبيق في ظل الظروف السياسية والاقتصادية ولا يتعارض معها .

3-    أن يحقق هذا المشروع حد الحاجة النسبي في  لسد حدود الحاجة المعقولة .

4-    ألا تتعارض هذه الإعانة مع اتجاه المجتمع للتكوين الرأسمالي المعتمد بتشجيع الاستمثار والحد من الاستهلاك.

5-    أن تحقق هذه الرعاية عدالة ملموسة في توزيع الدخول .

ولانجد هذا إلا في المشروع الحضارى الإسلامي موردا ومصرفا . كما سنرى في اللحلقة القادمة إن شاء الله.

البعد الإجتماعى 3

الرعاية الاجتماعية أو التكافل في ظل النظام الإسلامي ، قضية إيمانية . فلا يعتبر المجتمع متحضرا إذا كان فيه جائع أو عارى . يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :

ليس المؤمن بالذى يشبع وجاره جائع إلي جنبه .

ويقوم النظام الإسلامي للرعاية الاجتماعية علي المبادئ التالية :

أولا : يقيم  الإسلام هذه الرعاية علي الحق لا علي الاشتراك .

يقول ربنا تبارك وتعالي :وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم .

ويقول علي بن أبي طالب : إن الله فرض علي الإغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم ، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء ، وحق علي الله تعالي أن يحاسبهم يوم القيامة .

ثانيا : ير اعي التشريع الإسلامي أن يتحقق مع هدف التكافل هدف عدالة توزيع الدخل بين فئات المجتمع .

ويحقق المشروع الحضارى الإسلامي بأدوات مختلفة عن الأسلوب الغربي . وذلك عن الفرض علي الثروة .  والفرق أن الضرائب التي تمثل جزءا هاما من موارد الدولة في ظل النظام الوضعي ، والتي تمول قطاعا كبيرا من الرعاية الاجتماعية ، تؤخذ علي الدهل  ولا تمثل الضريبة علي الثروة إلا قطاعا يسيرا  لا يعتد به .  وهي بذلك تؤخذ عشوائيا لايراعي فيها القدرة علي الدفع فهي مثلا تؤخذ من الموئف بالتأكيد استقطاعا من مرتبه ، وقد يكون في حاجة ماسة تلجئه إلي الاقتراض . وبينما لايستطيع الموظف أن يتجنب الضريبة علي مرتبه ، نجد الغني يستطيع بقوته المالية أن يتهرب من الضريبة علي أرباحه ونشاطاته . وبينما يستفيد الغني من خدمات الدولة المنفق عليها من الضرائب في الغالب ، سواء كانت خدمات بنية أساسية أو  خدمية ، ولايقارن معه استفادة الفقير . حتي قيل بحق أن الضريبة علي الدخل بنظامها المعاصر تؤخذ من الفقراء وتعطي للأغنياء .

التي تؤمن وصول الدعم لمستحقيه وتحقق عدالة التوزيع بين الأغنياء والفقراء ،  لا عن طريق ضريبة الدخل التي آمن علماء المالية الغربيون اليوم أنها تؤخذ من الفقراء الذى تستقطع منهم من المنبع كالموظف حين استلام أجره ويستطيع الأغنياء التهرب منها بشتي السبل  . ولما كان الدعم موجها للجماعة كلها فإن الأغنياء أقدر علي الا ستفادة منها قبل الفقراء .

ويفرق في المالية العامة الإسلامية بين بيت مال الزكاة وبيت مال المصالح ، للتفرقة بين حقوق جماعة المسلمين وحقوق الفقراء . فموارد بيت  مال المصالح الذى يمثل ميزانية الدولة لخدمة مصالح الأمة يتكون من كافة مواردها من أملاكها وخدماتها وما تفرضه من رسوم .  والإنفاق منه يوجه إلي المجتمع ككل . أما الزكاة التي تؤخذ من الثروة في المال والدخل في الزراعة ، فإنها تؤخذ من الأغنياء تحديدا وتعطي للفقراء تحديدا . ولهذا لايجوز أن يخلط  مال المصالح  مع مال الزكاة .  وكم كان غالب الفقهاء واعين حين قصروا سهم في سبيل الله علي الغازى، واشترطوا تميليكها مباشرة للفقراء دون تأخير بأى حجج ،  حتي يغلق الباب علي استخدامها في أطماع الظالمين حكاما ومحكومين ، سواء في مهرجانات  أو مؤسسات تتحول من الرعاية إلي النفع الشخصي .

ومن هنا يتحقق مع التكافل  عدالة التوزيع ، حيث تحقق الرعاية بضمان إعظائها للفقراء وعدالة التوزيع بضمان أخذها من الأغنياء .

البعد الإجتماعى 4

لقد تبلور اليوم اقتناع قوى أنه لا يمكن الركون إلي التلقائية في تحقيق الرعاية الاجتماعية . والتنمية قد لاتحقق بالضرورة العدالة . وفي ظل النظم الوضعية نلاحظ تعارضا حيث يزداد الأغنياء غني والفقراء فقراء كلما زادت الثروة والنمو .  وهذا واضح في ظل المجتمع الذى يعتبر النفع المادى هو أساس النشاط الإنساني ، ومن ثم يعتبر الفقير عبءا والإحسان سفها .

وقد تبين للعلماء الغربيين فشل النظرية التي سادت العالم الغربي والقائمة علي خليط من الرأسمالية المتحيزة للغني ، والاشتراكية المعوقة للنمو ، ومن ثم ظهرت دعاوى حديثة في المجتمع الغربي لتحويل عبء الرعاية الاجتماعية من الدولة التي لاتستطيع أن تحققه فضلا عن غضب الرأسماليين من عبء الضرائب ، إلي المجتمع والأفراد . وحتي يتحقق ذلك لابد أن يرتفع مستوى الأخلاق والرحمة في قلوب الناس . وهذا من المستحيل تحقيقه في ظل النهم المادى والصراع بين الطبقات وبين الدول علي القوة والمال ، وهو الوثن الذى يعبدونه اليوم من دون الله .

ثالثا : المشروع الإسلامي في الرعاية الاجتماعية يشهد الحق علي هؤلاء الضالين حين يخطط آلية الأخذ وآلية العطاء . فدوالئر التكافل في الإسلام تقوم علي أساس متكامل ، تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع وأخيرا الد=ولة ..

فالفرد مأمور بالقوام في الإنفاق ، منهي عن الإسراف والتبذير الذى يتلف ماله ومعاشه ، ومنهي عن البخل والتقتير الذى يفسد كيانه الروحي . ومن ثم لانرى في المجتمع المسلم ذلك الذى تصيبه مصيبة الفقر من الإدمان أو من المقامرة .

والأسرة مأمورة بالتكافل بين أفرادها ،  فالأب مسؤول عن ابنه والابن مسؤول عن أبيه ، ويرتب الحنابلة هذه العلاقة علي أساس الميراث ، فكل من يرث عليه واجب النفقة .

ثم تنتقل المسؤولية للمجتمع عن طريق  الكفارات التي فرضها ربنا تبارك وتعالي علي الكبائر والذنوب ، وعن طريق القربي إلي الله ، بالوقف نن الصدقة الجارية التي ينقطع عمل المرء بعد الموت وتبقي له في أخراه مؤنسا وشفيعا ، وعن طريق الوصية لليتامي والمساكين التي أجازها الشارع في حدود الثلث من الثروة .

وهكذا تتسع المرحمة بين جنبات الفرد والأسرة والمجتمع ، وما بقي بعد ذلك فهو مسؤولية الدولة ، من بيت مال الزكاة ويحدد رسول الله صلي الله عليه وسلم مسؤولية الدولة بقوله : لمن ترك مالا فلورثته ، ومن ترك كالا فإلي الله ورسوله    

رابعا : ويتحقق لها شرط الملاءمة حيث  تؤخذ من الفائض بعد قضاء الحاجات وعلامته النصاب ، وبعد حولان الحول أى بعد نماء المال ، أو عند الحصاد . والعدالة حيث أوعيتها وأنصبتها ونسبها توقيفية لاتتغير  فيتحقق الاستقرار في حسابات الممولين .

خامسا : كما أنها تحصل وتصرف محليا ابتداء، حتي لاتتضخم حسابات الدولة ، فلا يخرج من محلها إلا الفائض فتتحقق اللامركزية في الأخذ والنفقة ، فتكون التنمية كل التنمية للمحليات أولا .  وبهذا ينجو المجتمع من مشاكل مركزية الضريبة التي يتسع إنفاقها علي الأقرب ويضيق علي الأبعد . فتفتقر المحليات من التنمية ، وتتوالد مشاكل العشوائية وتدني الخدمات في المجتمعات المكتظة .  وبذلك تعالج مشكلة ازدحام المدن التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة كنتيجة لفساد نظمها المالية وخدماتها الاجتماعية .

البعد الإجتماعى 5

والآن نتعرض إلي سوء فهم يؤدى بالدول والحكومات أن تتراجع عن مجرد التفكير في إمكانية تحقيق هذا الهدف العقيدى والإنساني ، وهو ما يتوهم من تعارض موارد الدولة مع حصيلة الزكاة من جهة ، ومن جهة أخرى حساسية قيام الدولة بهذا الواجب من الناحية السياسية .

سادسا : وموارد الزكاة التي تقع علي الثروة لا تتعارض مع موارد الدولة التي تعتمد علي الدخل ، فلا أحد يدفع ضرائب علي ودائعه في المصارف ، ولا ضرائب تؤخذ علي المحاصيل الزراعية التي هي وعاء للزكاة . ومن ثم لاخوف أن تتأثر حصيلة الدولة من الإيراد من تطبيق الزكاة . ولأن حصيلة الزكاة تعتمد علي علي وازع الإيمان فضلا عن قوة السلطان فإن حصيلتها بلا شك ستكون وافية وافرة .

سابعا : وتنفيذ هذا المشروع الجليل لا يعتمد ابتداء علي الدولة .  وإنما تستطيع أن تقوم به الجمعيات الأهلية علي نطاق الأمة كلها .

وهناك بالفعل جمعيات في مصر مهمتها مكافحة الفقر ، وتتبني مشروعات وآليات تنموية ، سواء علي مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع . خصوصا في المدن .

وقد أثبتت الجمعيات الخيرية الملحقة بالمساجد فاعلية كبيرة في تخفيض نفقة العلاج الطبي عن طريق ما توفره من دعم في المستوصفات الملحقة بها ، كما يسرت علي الفقراء نفقات التعاليم بما تحققه من خدمة تعليمية ميسرة من ناحية التكاليف جيدة من ناحية المادة .  ولو أجرينا حصرا لتنبين لنا ضخامة المستفيدين من هذه الخدمات ، ولتبين لنا تعاظم دورها في الرعاية الاجتماعية .  فتدل الإحصاءات التي وفرتها البحوث أنه في مشروع واحد هو الأسر المنتجة يقدر عدد المستفيدين بأكثر من مليون مواطن ، وفي إطار الخدمات الصحية يشير تقرير المسح الصحي إلي أن 17% من المستفيدين بالخدمات الصحية يحصلون عليها من المظمات الأهلية ، وعلي مستوى محافظة واحدة تضم 491 جمعية هي الدقهلية يصل عدد المستفيدين من هذه الخدمات إلي نصف مليون مواطن والستفيدين من التنيمة أكثر من ربع مليون مواطن . .. ويدر أحد الأبحاث أن متوسط المستفيدين علي مستوى 36 محافظة يمكن أن يصل إلي 20 مليون مواطن .

ولا تختلف الأساليب الإدارية في تحصيل الزكاة عنها في تحصيل الضريبة ، من حساب وتقدير وعقوبة للمتهر ، يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن أبي فإنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ، لايحل لآل محمد صلي الله عليه وسلم منها شئ .

إن الفقر كاريه لايجب أن نتواني لحظة عن علاجه ، خصوصا في زماننا هذا ، وكثير من الأغنياء لايعرفون الزكاة ، وتطبيقها أحسن وسيلة لأخذ حق الفقير ، وتحقيق التنمية للعاطلين . ويرفع عن كاهل الدولة عبء المخصص من ميزانيتها للدعم والتعليم والرعاية الصحية ، ويحقق الهدف بأسالييب أكفأ ، تضمن وصول الدعم لمستحقيه ، وتضمن وفرة الحصيلة ، وتحقق السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي .

والآن بعد رفع العوائق النفسية والعملية أمام تحيقي هدف الرعاية الاجتماعية ، يبقي سؤال أخير : هل تكفي الزكاة لتحقيق هذا الهدف ؟ وإجابتنا عن هذا التساؤل تتم بالإحصاءات التي تجيب بحسم : نعم ز وأكثر من ذلك تحقق وفرا تستطيع أن توجهه الدولة من نفقاتها إلي التنمية والتقدم.

البعد الإجتماعى 6

يتزايد المستقطع من ميزانية الدولة سنة بعد أخرى تحت بند الرعاية الاجتماعية . ما أدى إلي استنزاف نحو 40% من إجمالي الإنفاق الكلي للموازنة العامة للدولة .

ففي موازنة 2000-2001 م رصدت الدولة 45 مليارا من الجنيهات علي النحو التالي : التعليم 2ر18 مليار بزيادة ذر3 مليارا عن موازنة العام الماضي ، وفي الخدمات الصحية 3ر6 مليارا بزيادة 900 مليون عن ميزانية العام الماضي ، وفي دعم السلع الأساية 8ر5 مليارا بزيادة 400 مليون ، ولمساندة النظم التأمينية الاجتماعية 4ر11 مليار بزياد 3ر2مليار . وهناك خدمات اجتماعية أخرى تقدر بنحو 3ر3 مليار . وتبلغ نسبة الإنفاق الاجتماعي إلي الموارد السيادية والجارية نحو 2ر52  %

هذا الإنفاق لا يمكن لأحد أن يضمن أن يصل للفير ، ولا يمكن لأحد أن يضمن ألا يصل إلي الغني . فالدعم للتعليم بدأ للمجتمع ككل أغنياء وفقراء .  ثم تطور الأمر بعد تدني الخدمة التعليمية  أن أصبحت الدروس الخصوصية السبيل للفهم والتفوق .  ولم يستطع الفقير أن  يتواءم مع هذا التغيير ، الذى أصبح التعليم فيه استثمار من المدرسين للدروس الخصوصية ، حتي وكأن وزارة التعليم كلها أصبحت مشروعا استثماريا لجيوبهم . وهكذا عاد النفع علي الأغنياء  وضيق الإبداع علي القادر ، وضاع الفقير علي مأدبة اللئام .

والحال كذلك بالنسبة للخدمة الصحية ، فهي مفتوحة للجميع أغنياء وفقراء ، ومن ثم لم تستطع أن تتواءم مع الأعداد الكبيرة ، فتدنت الخدمة الصحية ، وأصبحت حتي في المستشفيات العامة مكلفة للفقير كما نعلم من أدوية أو رسوم أو جبايات . وانفتح الباب واسعا لاستثمار المستشفيات الخاصة التي لايطيقها إلا الأغنياء . ولم تسمع صرخات المكروبين إلا علي سبيل الإعلام في حالات نادرة . 

وكلنا يعلم كيف كان يسير الحال في الدعم السلعي والبطاعات والمجمعات الاستهلاكية . وكم كان ذلك نهبا لمحلات القطاع الخاص ، وما موضوع فراخ الجمعية ببعيد .  فضلا عن أن كثير مما كان يسمي الدعم السلعي يعطي عشوائيا في دعم سلع القطاع العام،ولا يشترى في الغالب إلا الغني ولا يستطيع أن يدفع الفقير ومحدود الدخل

كل هذه الحقائق معلومة للجميع ، فأصبح الإنفاق علي الرعاية الاجتماعية ، عبءا علي الميزانية وعبءا أيضا علي الفقراء ، وغنيمة لخربي الذمم واستمثارا للقطاع الخاص .

والآن ماهو المشروع الإسلامي للرعاية الاجتماعية ؟ المشروع الإسلامي يفرق بين تحقيق وصول السلع الاجتماعية للأفراد . وإنتاج هذه السلع . فلا بأس أن يقوم بإنتاج هذه السلع القطاع الخاص ، وتشترى من السوق كما تشترى أى سلعة وفق المنافسة التي تحقق الوفر في الأسعار والجودة في الإنتاج . وتمول عن طريق بيت مال الزكاة .

ليكن التعليم والعلاج بنفقة فعلية ، تجعله مركز تكلفة يوازن بين النفقات والإيرادات التي تحقق الأجر المجزى للعاملين من مدرسين وأطباء ، وتمنع نمو الدخول الطفيلية علي حساب الفقراء ، ويدفع الفقير كالغني ، فالفقير يدفع من دعم الزكاة والغني يدفع من ماله الخاص .  كذلك يتحقق الإمداد بالسلع والحاجات للفقراء بسعر السوق من حصيلة الزكاة .  فتنقشع عن المجتمع غمة ارتباك الحسابات القومية وإهدار الموارد ، ويجد الفقير حقا معلوما يعالج به ويعلم به ويسد حاجته ، دون تسرب طفيلي ، ولا تهريج إعلامي .

ويبقي أن نجرى عملية إحصائية تقريبية عن حصيلة الزكاة ، لنرى هلي يمكن أن يخفض عبء الإنفاق في الميزانية ، وإلي أى مدى تساعد الزكاة عي ذلك ؟

البعد الإجتماعى 7    

ويبقي هنا سؤال هل تكفي الزكاة للدرجة التي لايحتاج فيها إلي الإنفاق المتصاعد عديم الجدوى في الرعاية في الموازنة .فلنصاحب الإحصاءات لتجيب الإجابة الحاسمة .

ثامنا : تواجهنا في حساب الزكاة صعوبة أساسية في المتاح من الإحصاءات القومية عن صافي الثروة . وذلك لأن العمود الفقرى لموارد الدولة يعتمد علي ضرائب الدخل . ولا تقترب الفرائض من الثروة التي يملكها الأفراد والمؤسسات ، ومن ثم لا توجد إحصاءات دقيقة عنها .

زسزف مقنرب كم نقدير إجمالي لحصيلة الزكاة ، وإن كان تقريبيا إلا أنه يعطينا مؤشرا عن الحصيلة ، حيث البعض يتصور أنها من القلة بحيث لاتسمن ولا تغني من جوع .

فمثلا تقدر الودائع في البنوك في مصر اليوم والتي تتجاوز 250 مليار جنيه ، هذه الودائع تكاد تكون كلها إن لم يكن غالبيتها العظمي من أشخاص يتجاوزون النصاب وهو تقريبا 3000 جنيه .  وهذا الوعاء لا تمسه الضرائب لأنها كما قلنا تؤخذ علي الدخل ولا تؤخذ علي صافي الثروة .   فإذا قدرنا تقريبا الزكاة علي هذا الوعاء وهي بمعدل 5ر2% ، فإنها تزيد علي 6 مليار جنيه سنويا .

فإذا أخذنا حصيلة الناتج القومي الإجمالي  التي جاوزت ال 280 مليار جنيه  ، القطاع الزراعي منه يصل إلي أكثر من 20 %   ، ونسبة الزكاة من الحاصلات الزراعية من 5-10 % فإننا نصل إلي حوالي 3 مليار جنيه .

أى أن حصيلة بندين فقط من بنود الزكاة تصل إلي 9 مليار جنيه .

هذا مع العلم أن هناك موارد أخرى تفرض عليها الزكاة في الذهب والفضة والأنعام ، كما أنها تطول رأس المال في الداخل والخارج ، في المصارف وفي المدخرات المكتنزة .

وأن دور الزكاة يبدأ بعد انتهاء دور الفرد ، ودور الأسرة في النفقة الإجبارية بين أفرادها ، ودور المجتمع في التكافل عن طريق الوقف والوصية الواحبة والكفارات وصدقات التطوع .

يقول عالم غربي معاصر للمالية العامة في جامعة نيويورك في كتاب له عن المالية العامة : " وقد كالن أغلب رؤوس الأموال في الماضي قطعان ماشية ، لكان من السهل أخذ ضريبة علي رأس المال ، أما اليوم والضرائب أغلبها علي الدخل ، ونقدية لا عينية ، فيصعب تصورها في الأذهان المعاصرة ، ولكن عن طريق ضريبة القيمة الصافية ، وهي التي تؤخذ عن صافي الأموال بعد اسستبعاد الخصوم ، فإن الأمر يصبح أيسر وأعدل في توزيع الدخل . لنفرض أولا أن هناك ضريبة قومية حقيقية علي كل الأصول الرأسمالية ، فإن ضريبة قومية قيمتها 5ر2  %  علي قيمة رأس المال يمكن ترجمتها إلي ضرية عن الدخل الناتج عن الأصل الراسمالي ، لنفرض أن الأصل قيمته 1000 دولار له عائد سنوى 100 دولار بمعدل عائد سنوى 10% ، فإن ضريبة 5% علي قيمة رأس المال  هي 25 دولار  ، تعادل 25% ضريبة علي الدخل ."

كم تكون هذه الحصيلة وفيرة ؟  وكم ترفع أعباء عن الدولة ؟ وكم يتحقق الغرض منها في إعطاء الدعم لمستحقيه ، وتوفير الرعاية الاجتماعية والاستقرار السياسي ؟

بقي هنا أن نجيب في العدد القادم في تقديمنا للمشروع الحضارى الإسلامي للرعاية الاجتماعية  أن نجيب علي سؤال هام:هل تزيد الزكاة الاستهلاك فتعيق الاستثمار وتكوين رأس المال.يحقق هذا المشروع النمو الاقتصادى عن طريق إعانة المتعثرين من المستثمرين المسمون بالغارمين،أم تحارب البطالة بإعانة العمال بالتدريب وأداة الحرفة ؟

 
   2007-2012 yusufkamal.net
  All Rights Reserved.