بين حنايا الضلوع    تربى يوسف الأغر

كان أخا كريما       فرزقه الله العفو

إن رأيته عرفته    بتواضع وحسن سمت

يتكلم بالفطرة السوية   وعقل ثقلته التجارب

لم يأل جهدا         لنصرة دين أحمدا

إن جانبه الثواب        عاد إلى الدليل

واجه تشتت المفاهيم     عند كثير متأسلمين

فتكلم ونصح ووضح     فعودى وأوذى كثيرا

فلما أدلهمت الأمور     واظب على التحصيل

وأخرج للمسلمين فقها      وفكرا سديدا حرا

هو من هو الفقير       لعفو ربه القدير

هو يوسف كمال بن محمد    العالم المفكر الممتحن

نصبت له الشباك         ووقع فى الأسر

سنينا طوالا صابرا       محتسبا ثواب الصبر

كانوا يعذبونه كثيرا       حتى سقط الجلد

فتمنى الموت برهة       ولكن ثبته الحق

فجاء فرجا مدلهما       بخطوب خبئها الدهر

فصال وجال متفكرا       فى كتب المهتدين

فنال فهما سديدا        بمنة الإله الأكرم

فصنف المؤلفات والخيرات     فعرف عنه الثبات

لم يكن للمال طالبا     بل للإسلام مضحيا

فبحق الإله أخى         والى أهل الفضل

فلما رآه المتشدقون           قالوا من هذا

هذا دخيل ومدعى      وما قالوه فقر الحجة

فعطاء الملك الديان     للمتقين علما وحكمة

فلما هذا الجحود     للأوفياء مهضومى الحقوق

فيارب الكون العظيم        انصر هذا الدين

وتكملة للمسيرة يا أخى    بنى مدرسة الاقتصاد

على فهم وعلم وانقياد       للدليل الجلى الواضح

من الكتاب والسنة          وفهم سلف الأمة

فحقق النصوص وشرح        حتى ربى وأثر

إنه يوسف كمال بن محمد      العالم المفكر الممتحن

 

 

 


 

 

1-     كانت النية متجهة إلي الكتابة عن سعر الصرف في هذا المقال . لكن أثار الأستاذ إبراهيم نافع في مقاله بأهرام يوم 17 أغسطس عن هموم الاقتصاد المصرى . وقد طرح نتائجه للمناقشة علي أصحاب القرار والرأى العام . ولما كان موضوع سعر الصرف والسيولة والركود .. هي أعراض لهم التنمية أصلا ، فضلت الاستجابة إلي هذا الحوار ، لعل بعض ما نقوله قد يفيد .

          والاقتراح الذى يعرضه للنقاش استلهمه من خبراء صندوق النقد والبنك الدولي ، وتحددت المشكلة علي أساس انخفاض معدل النمو ، نظرا لقلة الادخار ، وأن الأمر يحتاج إلي زيادته بمقدار 30 مليار جنيه أى ما يعادل 7 مليار دولار ، ليزيد معدل النمو من 5ر4% إلي 5ر7% , ولما كان من المستحيل خفض الاستهلاك ، فإن النصيحة تعتمد علي زيادة الاستثمارات الأجنبية خصوصا الاقتراض الخارجي ، وزيادة الجرأة في القرار الحكومي وأظن أنهم يشيرون بذلك إلي سعر الصرف ، وزيادة الانفتاح الخارجي  لترغم المنافسة قطاع الأعمال علي خفض أرباحه وتحسين إنتاجه .

          وبالطبع لم يخرج الخبراء عن مقترحاتهم التقليدية التي تعتمد علي السياسة التقييدية أى الانكماشية ، من رفع سعر الفائدة إلي زيادة الضرائب إلي تقليص دور الدولة ، وسياستهم في البتحرر وفتح الأبواب أمام التجارة الخارجية . وهذه مقترحات يعلم الجميع أنها أضرت بكل من طبقها من البلاد  النامية . وسنرى الآن كيف أضرؤت بالاقتصاد المصرى .

          وحتي نبسط الأمر ، فإن اقتصاد أى دولة  ينقسم إلي : اقتصاد قومي أساسه القطاع الخاص ، واقتصاد حكومي أساسه ميزانية الدولة . وقد كان مشكلة الاقتصاد القومي باختصار سببها أن :

          الاحتياجات أكثر من الإمكانات ، والاستهلاك أكثر من الادخار والواردات أكثر من الصادرات

          أما الاقتصاد الحكومي فتتركز مشاكله في :

          أن النفقات تزيد علي الإيرادات ، وأن الاستثمار يقل عن الادخار ، وأن القطاع العام يحقق خسائر.

          وهناك بديهية يجب أن نفهمها ، هو أن مالية الدولة تتحدد بنتائج الاقتصاد القومي ، فكان من البديهي أن يتجه الإصلاح إلي الاقتصاد القومي بالدرجة الأولي . ولكن نصائح الصندوق كانت تنصب علي إصلاح الاقتصاد الحكومي ، وتترك تحريك الاقتصاد القومي لليد الخفية عن طريق القطاع الخاص ، وفق ايدولوجية النظام الليبرالي الغني وفلسفته .

          طبقت الدولة نصائح صندوق الدولي ، فرفعت سعر الفائدة ، ورفعت الدعم  ، وزادت الضرائب ، وأخذت بسرعة في خصخصة القطاع العام . ثم أخذت في امتصاص السيولة الزائدة من وجهة نظرها عن طريق طرح أذون الخزانة .

2-     فرحت الدولة بالنتيجة في خفض عجز الموازنة وانخفاض معدل التضخم. ، وتكوين احتياطي دولارى زاد علي 20 مليار دولار. وكان من نتيجة ذلك أن تراجع الاقتصاد القومي تحت وطأة التكلفة العالية لسعر الفائدة ، والعبء الثقيل للضرائب المباشرة وغير المباشرة .  وسحب من مقدرات السيولة الداخلية الاحتياطي الدولارى ، ولم يستثمر بالداخل وإنما اتجه إلي الاستثمار بالخارج بدعوى المحافظة علي قيمته .وكان نتيجة هذه السياسة الانكماشية أن تراجع الاقتصاد القومي ، فتراجعت وراءه مالية الدولة ، فأخذ عجز الموازنة في الزيادة المخيفة ، وأخذ الاحتياطي الدولارى في التبخر ، وزادت البطالة وارتفع سعر صرف الدولار فانخفضت قيمة الجنيه ، وزاد عبء عجز الميزان التجارى نسبيا بهذا الانخفاض ، وزادت الأسعار ليعاني محدودى الدخل .

          ولسنا هنا نعترض علي إصلاح مالية الدولة ، ولكن نعترض علي ترك التنمية دون ضابظ للقطاع الخاص ، وتركيز الجهد علي إصلاح مالية الدولة  .  ولسنا أيضا نتكلم عن التدخل المباشر للدولة في التنمية  ، وإنما نقصد ذلك التخطيط التأشيرى الذى يؤثر علي مسيرة التنمية دون الدخول في إدارتها مباشرة سواء بالملكية للمشاريع أو المشاركة فيها . وكان لذلك لابد من التوازن بين متطلبات إصلاح مالية الدولة ومتطلبات تنمية الاقتصاد القومي .

          والذى يعنينا هنا أن نبين أن مهمة الصندوق والدولي كانت لسبب أو لآخر موجهة لإصلاح مالية الدولة ، سواء لضمان سداد الاقتراض الخارجي ، أو للتأثر بمقولات اقتصاديات  الدول الغربية التي لا تعاني مشكلة أساسا في الإنتاج ، وإنما تخمة في تصريفه لما  تمارسنه من قرصنة عالمية بامتصاص مقدرات الدول النامية عن طريق مظالم التجارة الخارجية ، رفعا لأسعار منتجاتها ، وخفضا لقيمة صادراتنا .  وأظن أن هذه الإجراءات التي نصح بها صندوق النقد الدولي واتبعناها حرفيا لو طبقت في أكثر الدول غني لسببت ركودا عاتيا ، ولتركت نتوءات مزمنة في اقتصادها  .

          الركود إذن أيها السادة باختصار سببه زيادة تكلفة الإنتاج برفع سعر الفائدة وزيادة الضرائب مما أدى إلي تعجيز الاستثمار وانحسار الطلب الاستهلاكي وزيادة حالات التعثر.ثم امتصاص السيولة من الداخل في شكل احتياطي دولارى يسند الطلب الاستيرادى  يوفر الدولار،وتحويله إلي رصيد جامد،يحرم من ضخه في شرايين الاقتصاد القومي والاحتفاظ به في الخارج تحت أى دعوى .

هذه التجربة كانت أحرى أن توقظ وعينا في التخطيط  للتنمية والحذر من سماع هذه النصائح ، التي لا نطرح فيها هنا سوء النية ، وإنما هي ، علي أحسن الفروض ، سببها جهالة الخبراء  الدوليين بدوال ومتغيرات الاقتصاد القومي،  خصوصا وأن ثقافاتهم كلها وإجازاتهم العلمية عصارتها وقوامها من الواقع الغربي ،  سلبياته وإيجابياته ، و لاتصلح للتطبيق غندنا لاختلاف نوعية الهموم .

هذا التحفظ علي نصائح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ضرورى لتبرير خلفية الرفض لمقترجاتهما ،  ثم ننتقل  لمناقشة جزئيات مقترحاتهما فيما بعد .    

3-     المشكلة تحددت في الحوار بين الأستاذ إبراهيم نافع وخبراء صندوق النقد والبنك الدولي في عجز الادخار . ورغم أن هذا تبسيط مخل للمشكلة فهناك جوانب أخرى للتنمية سنذكرها فيما بعد إلا أننا سنناقش رأيهم هنا . وحسنا أن يستبعد الأستاذ الضغط علي الاستهلاك وقد وصل لحدود نهائية لايمكن الاقتراب منها إلا علي حساب تجويع الناس .

          ويعتمد اقتراحهم علي زيادة الاستثمارات الأجنبية . وقد فصل الأستاذ إبراهيم نافع هذه الاستثمارات الأجنبية إلي ثلاثة :  استثمار مباشر ، استثمار ساخن قصير الأجل ، ثم الاقتراض .وحسنا أن يرفض الأستاذ إبراهيم نافع ، الاستثمار القصير الأجل الذى يأتي للمضاربة علي الأوراق المالية ويهرب بسرعة ويسبب المشكلات ، وقد كانت تجربة دول جنوب آسيا درسا مفيدا أنقذ الكثيرين من هذا الخراب خصوصا مصر .

          وحسنا أن يتحفظ علي الاقتراض الخارجي ، فمعاناتنا من الديون الأجنبية كان مخيفا ، ولولا لطف الله لكانت آثاره وخيمة . وليست مخاطر الاقتراض تعتمد علي حجم الدين الخارجي وخدمته وحده ، فالدين العام الداخلي وأعباؤه ، وقد بلغ مرحلة خطيرة يجب أن يضاف إليه ، ليمنع متخذ القرار من الاقتراب من الاقتراض خارجيا أو داخليا ، لأن هذا يعني تضخم دور الدولة وزيادة أعبائها والقضاء علي منجزات التخفيف منه التي دفع فيها ثمنا غاليا .+ وإن كان فتح باب الاقتراض عن طريق السندات الدولارية يورث الحيرة ولا يبشر بالخير .

          بقي الاستثمار الأجنبي المباشر ، وأحب أن أهمس في أذن الكاتب الكبير أننا منذ الخمسينات نمني النفس بتساقط خيراته ، ولم  نفقد الأمل في أى لحظة ، وكان هناك دائما من يروج  لهذا السراب ، ويصرف الأنظار عن  أبواب المتاحة والحقيقية للتنمية المحلية .

          إن الاستثمار الأجنبي يحقق عائدا في بلاده أكثر مما يحقق في البلاد النامية ، لعدة أسباب : منها أن تمويله يتم عن طريق التمويل الرخيص من فائض الدولار البترولي  ، وأن البنية الأساسية عنده متوفرة ، والتكنولوجيا متقدمة ، والأسواق العالمية مفتوحة لإنتاجه الكبير المنخفض التكلفة ، سواء عن طريق الاحتكارات الدولية أو البلطجة العالمية .  ولهذا يرتبط الاستثمار المباشر الأجنبي غالبا بشروط سياسية تنال من استقلال قرار الأمة وكرامتها .

          وهناك استثمار آخر تقوم به الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات التي تتحكم القرار في الدول  الغربية ، وأكاد أقول أنها تدير اليوم المؤسسات الدولية بدءا  منظمة التجارة العالمية . وهي تستثمر في البلاد التي تتحقق فيها العمالة الرخيصة كدول جنوب آسيا ، ولايتم الاستثمار إلا في جزء من الإنتاج يتبع الأم ، وسوقه في الغرب ، بحيث يمكنهم أن يسحبوا البساط من تحت هذه الدول في أى لحظة يريدون كما حدث في التسعينيات . ونظرة إلي إحصاءات الاستثمارات الأجنبية  في مصر ، لا نقول منذ الخمسينيات بل في التسعينات لم تزد عن مليار دولار وتنقص أحيانا عنه .

4-      بقي هنا أن أناقش السببين اللذين  أشاد بهما  الأستاذ  في مقاله ، حتي نخلص إلي تقويم صحيح لنصائح  خبراء الصندوق .

          السبب الأول هو دعوتهم صاحب القرار إلي نبذ السياسة المتحفظة في اتخاذ القرارات ، والاعتماد علي هامش من المخاطرة  لأن ذلك ضرورى لفك القيود التي تعوق الانطلاق الاقتصادى .

          وهم بالتحديد يقصدون سعر صرف الجنية ،  وسعر الصرف هو تعبير عن  حالة الاقتصاد الخارجي ، صادرات وواردات ،  فإذا كان عندنا فائض فيه ارتفعت قيمة الجنية بقوة الاقتصاد ،في تعامله الخارجي ،  وإذا كان عندنا عجز انخفضت قيمة الجنية بضعف الاقتصاد  القومي في تعامله الخارجي .  ولعبة سعر الصرف لعبة احترفها الغرب للسطو علي اقتصاديات الآخرين .  فإن أى دولة متقدمة قادرة علي التصدير تستطيع أن تزيد صادراتها بخفض سعر صرف عملتها حيث تقل قيمة الصادرات فيزيد الطلب عليها علي حساب الدول الأخرى . والعكس بالنسبة للواردات . وكان ذلك سببا في قيام صندوق النقد الدولي ، لفض الاشتباك بين قرصنة الدول في معاملاتها الخارجية . ثم انهار هذا النظام بعد خروج أمريكا علي نظام الذهب ، وانفراد الدولار بالعملة الاحتياطية الدولية  ، ليفتح له الطريق كعملة سيادية دولية تسرق بها ما يشاء ولا يكلفه ذلك إلا  طبع ورق ،كما يحدث في داخل الدولة حين تحتاج إلي إيراد فتطبع الورق .

          والحالة عندنا في مصر تختلف ، فالصادرات غير مرنة ولا يمكن زيادتها في الأجل القصير ، والواردات غير مرنة ولا يمكن انقاصها في الأجل القصير لاعتمادها علي مواد غذائية ومستلزمات المصانع .   فأى تغيير غير مدروس  سيؤدى إلي زيادة عجز الميزان التجارى  الذى يدفع إلي مزيد من التخفيض إلي ما لانهاية حتي يصبح الجنيه لا قيمة له ، وننحدر إلي الهاوية كما حدث لدول أخرى. 

          وقرارات الدولة يا سادة لا يمكن أن تقوم علي المخاطرة كالقطاع الخاص ، وإنما علي الحرص البالغ ، فلا تخفض سعر الجنيه حتي  تدرس بالضبط كم ستزيد الصادرات وكم ستقل الواردات بشكل يقيني لا تخميني وإلا فإنها الكارثة .

          أما بالنسبة للقطاع الخاص ، فكلام خبراء الصندوق حق يراد به باطل ، فهم يهدفون إلي تحقيق أحد أغراضهم المشبوهة في تحرير التجارة الخارجية لصالح الشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات .  ومع تحفظاتنا علي القطاع الخاص وسلوكياته الاحتكارية ، وأنشطته الطفيلية ، فإن ذلك شئ وما يرمي إليه خبراء الصندوق شئ آخر .

          ويساعد علي تعقيد هذه المشكلة اتجاه أصحاب القرار إلي تدشين المشاركات من أوروبية إلي أمريكية ، والامتداد الممكن والحقيقي للصناعات المصرية لزيادة الصادرات إنما هو في الشرق والجنوب ، إنما هو في السوق العربية والسوق الإسلامية . أما شعارات المشاركات الغربية فإنها سراب ، تماما كما أن الاستثمارات الغربية المباشرة سراب .

 
   2007-2012 yusufkamal.net
  All Rights Reserved.